مصطفى لبيب عبد الغني

118

منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )

ومن الحالات النادرة الجديرة بالذكر ما أشار إليه في قوله : « رأيت رجلا تقيأ قطعة لحم عظيمة أعظم من الجوزة ، ولم يمت . فحدست أنه كان في معدته ناصور كبير دقيق الأصل ، انقطع ودفعته الطبيعة بالقيئ » « 1 » . * * * ولم تقتصر ملاحظات الرازي لمرضاه على فترة مرضهم الحرجة وكفى بل امتدت مراقبته لهم والعناية بهم إلى فترة النقاهة أيضا ، تحسبا لحدوث انتكاسة مفاجئة . وأحيانا ما كانت تطول مراقبته للحالة وعلاجه لها سنوات متصلة ، مثال ذلك ما نتبينه مما رواه في كتابه « أوجاع المفاصل » قائلا : « كنت أعالج رجلا بمدينة السلام من أوجاع المفاصل الحادثة ، وكنت أتقدم في حراسته منها ، لأنه كان سامعا مطيعا . وكان ينوب عليه في جو أيام الربيع نوائب صعبة شديدة ، فحفظته منها ثلاث سنين ، فلما كان في السنة الرابعة ، عرض له سفر ، وأطلق لنفسه تدبيرا بلا حمية . والتقينا فأخبرني بما جرى ، وأنذرته بأن العلة ستنوب عليه ، إن لم يقصد تداوى ما هو عليه . فظن أن العلة قد انقطعت البتة ، فرد علىّ مبتسما : كلا إن شاء الله ! فلما كان في بعد أيام ، أحس في مفصل ركبته بوجع ، فتغافل ، وشد به يومه ذلك . فلما كان في بعض الليل هاج عليه الوجع حتى منعه من النوم فلما أصبح التقينا ، وجعلت أردد عليه القول : كلا إن شاء الله ! » « 2 » . ويكشف لنا الرازي في مذكراته عن عناية رفيقة متصلة بالمرضى ؛ فكان يرى « أن تدبير الناقة متوسط بين تدبير الأصحاء والمرضى » « 3 » ، ويوصى الطبيب المعالج هنا بقوله : « انح في أموره نحو عادته فإن للعادة حظا ، وليس في تدبير الناقة وحده بل وفي تدبير المريض ؛ فمن عادته أن ينام نهارا ويسهر

--> ( 1 ) إسكندر ، أ . ز . : « الرازي الطبيب الأكلينيكى » ص 251 . ( 2 ) المرجع السابق ، ص 242 ، 243 . ( 3 ) الرازي : الحاوي ، ج 5 ص 11 .